“تحرّبالت”.. قروية تسلحت بالإيمان وأغصان شجرة الأركان

تجاوز عمرها الخمسين، وبعزيمة قوية، تواصل فطومة الدايش، المعروفة في الأوساط المحلية باشتوكة آيت باها بـ”تحرّبالت”، اشتغالها كمؤسسة ورئيسة لإحدى أنجح التعاونيات بالإقليم وبجهة سوس ماسة: التعاونية الفلاحية النسوية “تركانت”، التي رأت النور في أبريل من سنة 1993، غير أن مسارها التعاوني اعترته جملة إخفاقات، لكن آمالها الواسعة في إشراك عشرات النساء القرويات وضمان مورد عيش قارّ لهن جعلتها تتغلّب على كلّ تلك العقبات، ما أهّلها لتنال تقديرات من مختلف الجهات الرّسمية والمنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية.

“ولجت العمل التعاوني والجمعوي منذ أربعة عقود خلتْ، نظرا لولَعي بمجال الفلاحة منذ نعومة أظافري. كانت البداية حين زارت بعض النسوة من خارج آيت باها زوجي، الذي يعمل في قطاع ذي صلة بالغابات، فاقترحن عليَّ تأسيس تعاونية نسوية، غير أنه لم تكن لديّ أي فكرة عن العمل التعاوني، لاسيما أن النساء في المنطقة يتميّزن بطابعهن المُحافظ، ويصعب إقناعهن بالانخراط في ذلك”، تقول فطومة.

وزادت المتحدثة ذاتها: “كانت البداية مع تربية النحل والأبقار، غير أن غياب الخبرة لدينا في تسيير مثل الأمور، وما يتطلّبه ذلك من التوفيق بين الواجب الأسري، إذ كان ابني وبناتي الخمس كلهم تحت رعايتي أنا وزوجي، مع ضرورة رفع رهان إنجاح التعاونية وتلبية آمال النساء المنخرطات، وكذا توصّلي بدعوة للقاء عامل اشتوكة آيت باها، خلق لديّ ارتباكا كبيرا، إذ لم ألتق من قبلُ بأي مسؤول، فكِدت أن أستقيل من هذا العمل لولا تشجيع زوجي”.

“اكتسبت شجاعة كبيرة، ولم أكُن أودُّ التراجع عن المسار الذي بدأته، فشاركنا في معارض محلية وجهوية، حيث نال منتجنا (الأركان، أملو، العسل) ثقة عدد من الزوّار، ضمنهم أجنبي من دار الأركان في فرنسا، دعوته لتفقّد عملنا بآيت باها، وبعد ذلك منحنا دعما، خصّصناه لكراء دكّانين وتجهيزهما، وانتقلنا من مرحلة الاعتماد على الطرق التقليدية في جميع مراحل الإنتاج إلى عالم المكننة، ما مكّننا من الاطلاع على تجارب مماثلة بالجهة في زيادة عدد النساء المُتعاونات، الذي انتقل من 8 إلى عشرين”.

“الانبهار بجودة المنتج جعلنا ندخل في شراكات متنوعة مع منظمات مغربية وأجنبية، ومختبرات عالمية في ميدان التجميل. وكان همّي الوحيد هو توفير فرص عمل لنساء قرويات قهرهنّ العوز، مطلقات وأرامل وغيرهن.. اصطدمنا بجملة من العراقيل، منها محاولة نسف كلّ هذا العمل من خلال تحريض بعض المتعاونات، وترويج شائعات حول اختلاس أموال التعاونية، لكننا تجاوزناها بعزيمة قوية، وأصبحنا اليوم نشغل ما يزيد عن 140 امرأة، وحصلنا على مقر بمجمع الصناعة التقليدية، يحترم كافة معايير الإنتاج، والسلامة الصحية، وحصلنا على شواهد الجودة من مختلف المصالح المعنية”، تضيف فطومة.

وزادت “تحربالت”: “ما يحزّ في نفسي كثيرا هو وصولي إلى مرحلة متقدّمة في السن، بالإضافة إلى مرضي المرتبط أساسا بكثرة التنقلات والمشاركة في التكوينات، التي لا يمكنني الاستغناء عنها..أسافر في الليل كما في النهار، لمصلحة التعاونية.. لدي رسالة أريد أن أوجّهها من أجل المحافظة على شجرة الأركان والأعشاب الطبية، وتنظيم الرعي.. كما أن أبناء المنطقة مطالبون بدورهم بإيلاء عناية خاصة بهذه الشجرة، الذين لازالوا يجهلون قيمتها، ورد الاعتبار إليها”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here