كنزة : حين تفقد البوكرينية أصلها

العياشي الفرفار –

تفويت ارض البوكرينية الى منعش عقاري من اجل انجاز نجزئة سكنية اثارت جدلا واسعا و نقاشا يمكن اعتبره مفيدا وجديا من اجل ترسيخ نقاش عمومي حول قضايانا الاساسية و المشتركة , ان استحضرنا ان قيمة الفعل الديموقراطي تتحدد في قدرة المجتمع على الانفتاح على قضاياه و اخراجها من مجال السرية و تحويلها الى نقاشات مفتوحة .
اثارة الموضوع /الضجة الاعلامية كان بواسطة جريدة القلعة 24 ليتحول الى نقاش عمومي يكاك يعتبر الموضوع الاول خلال الايام المنصرمة .
النقاش و الجدل حول الموضوع يتيح ارضية مناسبة لتعميق النقاش حول موضوع شديد التعقيد مرتبط بتدبير الوعاء الخاص بالاراضي السلالية .
اولا : نقاش متاخر
النقاش و التفاعل الاعلامي و الافتراضي جاء متاخرا بحوالي عشرين شهرا عن بداية تفعيل مسطرة التفويت وهو ما يعكس ان التناول الاعلامي للقضايا مهمة و اساسية يبقى متاخرا ان لم يكن منعدما وهو ما يعكس صعوبة الوصول الى المعلومة اوحيازتها ولربما الاستثمار فيها و اختيار الوقت المناسب لنشرها وهو ما يؤكد ان المعلومة اصبحت جزء من اسلحة المواجهة و الصراع السياسي .
ومع ذلك فاثارة الموضوع خلق ارضية لنقاش عمومي حتى اون كان في الجزء الاكبر منه افتراضيا , و هو ما يمكن اعتباره ظاهرة صحيحة من اجل بناء وعي جمعي يقظ و منتبه للقضايا المشتركة .
ثانيا : مناولة احتجاجية
من خلال رصد اغلب التفاعلات حول موضوع عقار البوكرينية على شبكة التواصل الاعلامي يتضح ان التفاعل مع الموضوع يكاد يكون انفعاليا و يكتسي طابع الاستهزاء و السخرية و الاحتجاج على عملية التفويت في غياب قراءات دقيقة للموضوع لاسيما من طرف ذوي الاختصاص , و هنا يمكن تسجيل صمت بعض الحقوقيين المنتميين الى مهنة المحاماة و النشيطيين في مجال التواصل الافتراضي باستنتاء قراءة وحيدة لمحامي ابن الاقليم يقيم بالبيضاء و ان كانت قراءته قد خلقت اشكالا قانونيا يرتبط بتداعيات بسبب دعوته الى معالجة موضوع التفويت كفعل جنائي لعقار مملوك للغير و باعتباره مالا لا يجوز التصرف فيه وهو ما يعرض ذوي الحقوق الى المساءلة القانونية .
ربما صمت ذوي الاختصاص يجعل مقاربة الموضوع يطغى عليه طابع الشعبوية و التوظيف السياسي , كما يمكن تسجيل حضور الجمعيات الحقوقية لاسيما الجمعية المغربية لحقوق الانسان و العصبة المغربية و جمعية حماية المال العام وترافعها عن الموضوع من زاوية حقوقية صرفة و ان كانا في حاجة الى مقاربة سياسية و اقتصادية و اجتماعية للموضوع .
ثالثا : تغيب اصل المشكل .
ربما اثار موضوع تفويت عقار البوكرينية على مساحة 10 هكتارات نقاشا كبيرا رغم استفادة منعشيين عقاريين من اراضي و بامتيازات اكبر و في اطار من الصمت , رغم ان حجم الارض المفوتة لا يمتل الا نسبة ضعفية من نسبة العقارات السلالية التي ثم تفويتها .

التجزيئات السكنية خلال الخمس السنوات الاخيرة
طبيعة الوعاء العقاري المبلغ الاجمالي قيمة التفويت
للمترالمربع مساحة العقار المفوت اسم التجزئة
ارض محفظة 25 مليون درهم 50 درهم للمتر المربع 50 هكتار الهدى 1-2-3
ارض محفظة 16 مليون درهم 20 درهم 80 هكتار تجزئة الريحان و البساتين
ارض محفظة 6 مليون درهم 20 درهم 30 هكتار منارة 3
ارض جماعية 41 مليون درهم 30 درهم 137 هكتار البدر العمران .
ارض جماعية 5.6 ملون درهم 30 درهم 28 هكتار الفجر العمران.
ارض جماعية 30مليون درهم 30 درهم 100 هكتار الحي الصناعي العمران.
ارض جماعية 11 مليون درهم 100 درهم 11 هكتار تجزئة الياسمين
ارض مخز نية تابعة لاملاك الدولة 6 مليون درهم 30 درهم 20 هكتار تجزئة السلام

تفويت عقار البوكرينية كشف منطق الخلل الكامن البنية و الاطار القاتنوني المنظم للاراضي الجماعية و التي يعود الى الفترة الاستعمارية و تحديا قانون 1919 .
فلسفة هذا القانون و الذي سنته الادارة الفرنسية كقوة استعمار هو العمل على الاستحواذ على اجود الاراضي باسهل الطرق .
الاكثر استغرابا اننا في القرن الواحد والعشرين وبعد اكثر من 58 سنة من الاستقلال مازال نفس القانون السالب للاراضي قائما وتدار به اكثر من15 مليون هكتار من اراضي الجموع بالمغرب . .
منطق الدولة الاستعمارية انتهى والمغرب يرسخ منطق الدولة الوطنية القريبة من المواطنيين حيت تركيز السلطة والحفاض عليها لا يمر عبر نزع الاراضي , وانما عبر شرعية رمزية وتاريخية واجتماعية ودستورية كما يجسدها جلالة الملك , لم يعد التحدي والرهان هو بناء شرعية وانما الحفاض عليها في زمن متحرك / الربيع العربي , مما يفرض تغيير المنطق المتحكم في صياغة القوانيين المنظمة لاراضي الجموع من منطق للهيمنة الى منطق المشاركة والحرية وترسيخ المواطنة الكاملة لان المواطنة هي الاعتراف بحق الانسان المغربي في تملك ارضه سواء في صيغة فردية او في اطار جماعي او تعاوني كملكية مشتركة .

ربما سيكون من المفيد دراسة الخلفية السوسيولوجية لعلاقة الفلاح المغربي بارضه مادام القراءة القانونية هي قراءة مؤلمة لانها تكشف عن منطق التحكم في المواطن عبر التحكم في ارضه .
ربما العلاقة القائمة بين الفلاح وارضه هي علاقة انتماء و هوية لان الانسان القروي ينسب الى ارضه , فشبكة الانتماء تتحدد على اساس جغرافي / بوعلاوي / بوكريني / صنهاجي , لان شبكة الانتماء بالعلم القروي تتحدد بناء على معيار الدم و الارض , على عكس الانتماء بالمجال الحضري المؤسسة على معيار الوظيفة و المستوى الاجتماعي و الانتماء الحزبي و النقابي و المهني و الثقافي و الديني الخ .

في ذات الموضوع محمد صلاح الدين في اطروحته لنيل رسالة الدكتوراه ,حول موضوع المخزن والقبائل اكد ان الفلاح المغربي هو مالك خشن , اشارة الى تمسك الفلاح المغربي بارضه . وهي فكرة توكدها الكثير من الوقائع والاحداث اليومية , فالفلاح المغربي كائن مسالم لكنه يتحول الى كائن عنيف في حالتين : الدفاع الشرف والارض / بنادم يموت على ولادو ولا على بلادو وفق المثل المغربي المعروف . .
ففي حالة أي مساس بعرضه او ارضه يتم استعمال اخطر الاسلحة حتى ولو ادى الصراع به الى القتل و السجن يمكن الرجوع الى محاضر المنازعات عند الدرك وبمؤسسات العدالة لتكتشف نوع الاسلحة المستعملة و خطورة الجروح والاصابات الناتجة عن خلافات الارض .
المؤكد ان كرامة الفلاح ترتبط بمدى قدرته على الحفاظ على ارضه وتزداد قوة حب الارض والتشبت بها حين تصبح الملكية جماعية كما ارود ذلك السوسيولوجي الفرنسي جاك بيرك وهو ما ينطبق على اراضي الجماعات السلالية , و التي اصبحت اداة من اجل الحفاظ على وحدة القبيلة و انسجامها .
اذا كان النمط الاستعماري خلال فترة الحماية الفرنسية قد اقام ترابطا جدليا بين ممارسة السلطة ونوع ملكية الارض من خلال تركيز مبدا ان السيطرة على الانسان المغربي تتحقق من خلال تحويله من مالك الى اجير او عامل , وهو ما يفسره مضمون القوانين المنظمة للبنية العقارية سواء ظهير 27 ابريل 1919 وظهير 6 فبراير 1963 حيت تبرز طبيعة هيمنة السلطة الحاكمة على الاراضي , ووضع اليد عليها لان منطق ممارسة السلطة يفترض في المنظور الكولونيالي التحكم في الارض .
غير ان حيازة الارض من طرف المنعشيين العقاريين نموذج عقار البوكرينية يكشف ان تحولا مؤلما و كبيرا وقع في طبيعة الفلاح المغربي الذي يحوز ارضه كشرط لضمان كرامته, فالحالة تكشف ان العلاقة اصبحت علاقة ربحية بمضمون استثماري حيت الارض اصبحت وسيلة للولوج الى عالم المال و الحسابات بالبنوك .
قد يكون العنوان الامثل في هذه الحالة ان الارض اصبحت صفقة , وهو تحول اجتماعي بمؤشرات واضحة حيت انطلاقا من موسم الهجرة الى الشمال ايطاليا تحديد ا مباشرة بعد موجة الجفاف القاسية التي عاشها المغرب في فترة الثمانينات ظهرت مشكلة بيع الاراضي من طرف الشباب الراغب في الهجرة و البحث عن رفاهية العيش/ موجة الهجرة نحو المدينة , فاصبحت الارض مجرد طريق نحو المدينة و ليس من اجل المدينة .

اصبحت علاقة القروي بارضه علاقة باردة لربما فاثرة , ان قيمتها تتحدد بارتباطها بالمجال الحضري و ليس بتمسك القروي بها كشرط هوية .
فارض الوكرينية اكتسبت هذه الاهمية ليس لانها ارض سلالية لا يرغب ذوي الحقوق في التفريط فيها , لكن الاشكال هو مبلغ التفريط و التفويت .
فقيمة العقار السلالي ثم اقتنائه بطريقة لم يكن يعرف بها احد سواء مؤسسة العمران و التي ظلت تحتكر الية التفويت عن طريق اقرار الصديق بتوظيف الوكالة الحضرية كوسيط للاستحواذ على اراضي الجموع , وهو مايؤكد ان دور الوكالة الحضرية هو دور لحظي و مؤقت وان انشائها كان بهدف استحواد العمران كمؤسسة على الاراضي بارخص الاثمان , و ان الادعاء بكون الوكالة وجدت كمن اجل الوعي العمراني و التنظيم العماري و مراقبة حركة التمدن و التحكم فيها ماهو الا مبرر تضليلي لان الهدف هو جعلها طريق للاستحواذ و حيازة الوعاءات العقارية
فقيمة عقار البوكرينية لا يكمن في اصله السلالي و انما لكونه عقار مفتوح البناء فيه بحسب تصميم التهيئة لبلدية القلعة ؟؟؟
ماذا لو ان الارض برمجت كمجال اخضر ؟ هل كان لاحد أي ان يقترب منها ا و ان يسال عنها ؟؟؟
ارض سلالية مفتوحة للبناء , لا شك انها فرصة مناسبة للربح , لدرجة ان الجميع اصبح من ذوي الحقوق في مفارقة عجيبة ان ذوي الحقوق لا يتكلمون و ان دخل السجن بسببها ومن اجلها لا احد يتحدث عنه ؟؟؟

رابعا : قبيلة تحترم نسائها
اذا كانت الارض البوكرينية تنتمي سلاليا الى الجماعة السلالية اولاد بوكرين فان هذه الارض كانت تسمى ارض فاطنة رحال و هو مؤشر دال على ان قبيلة اولاد بوكرين كانت اكثر حداثة من الدولة نفسها حين منحت النساء نصيبهن من الاراضي السلالية , لان اغلب القبائل المجاورة تمنع استفادة المراة من الاراضي و هو اجراء احترازي تضمن به القبيلة الحفاظ على وحدتها العضوية المؤسسة على الدم والارض لان امتلاك المراة لنصيبها من الارض وزواجها من خارج القبيلة من شان ذلك تشتيت الارض و تهديد هوية القبيلة .
خامسا : العقار من اجل الاستثمار
ربما يكون من اهداف الدولة الاستراتيجية تشجيع الاستثمار من خلال تقديم سلة من التحفيزات للقطاع الخاص من اجل مواكبة الدولة في ضمان حق السكن اللائق للجميع وهو توجه مقبول و له مبرراته , لان اراضي الجموع و التي توجد بالمجال الحضري او تلك المحيط به تشكل مجالا خصبا للبناء العشوائي
لكن تشجيع الاستثمار لا يعني منحة الضوء الاخضر لكي يبيع بما يشاء , فالدولة تمنح العقار بثمن تفضيلي لذا يجب على المنعشيين العقاريين البيع باثمان تفضيلية و تراعي القدرات الشرائية للمواطنيين و هو يحقق منفعة مزدزجة تشجيع الاستثمار و مراعاة البعد الاجتماعي و هو ما يمكن تسميته الخيار الثالث يضمن تحقيق الربح في اطار اجتماعي و هو ماسبق ان حدد اسسه كل من السوسيولوجي الانجليزي انطوني كيدنز و الفيلسوف الامريكي جون راولز في مؤلفه نظرية العدالة .

عموما الموضوع يشكل ظاهرة معقدة و متعددة الابعاد يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي بالحقوقي بالاقتصادي مما يجعل مقاربة الموضوه يحتاج الى الكثير من الجهد من طرف الجميع . لاسيما ان المقاربة الحقوقية الصارمة لتدبير الملف اصبحت تشكل عبئا على الدولة , لانها اداة غير فعالة ومتجاوزة لمعالجة المشاكل المرتبطة بالخلافات الناتجة حولها ,
بذلك يصبح رجل السلطة اطفائي يعمل على تلطيف الاجواء , وتدبير الصراع في اطار لا غالب ولا مغلوب انه فعل بلا نتيجة وبلا منتوج في حين المشرع المغربي/ البرلمان مازال نائما و يناقش قضايا تافهة احيانا و هامشية .
اراضي الجموع تشكل للا سف الشديد مجالا للتوثر الاجتماعي مما يساعد على توضيفها سياسيا, في الكثير من المحطات الانتخابية عبر اذكاء النعرات القبلية , وكثيرا ما تحافظ قبيلة ما على وحدتها وتنسى خلافاتها الداخلية من.
من المفروض ان قيمة القوانيين تتحد د بما تقدمه من خدمات وحلول , و ان تكون قوانين تفاعلية تستجيب لحاجيات الناس مثلا: قانون الالتزامات والعقود لسنة 1913 مازال سحره قائما , و مفعوله ايجابيا ولا يثير اية اشكالات قانونية وانما مازال يعتبر شريعة عامة عند الحقوقيين في حالة عدم وجود أي نص خاص . لانه قانون وضع لتدبير العلاقات وترسيخ مبدا العقد شريعة المتعاقدين .
فالظرفية التي وضع فيها قانون 1919 السالب للاراضي , و الفلسفة المتحكمة فيه قد زالت وتغيرت الاوضاع ولا سيما تغير مفهوم الشرعية و ضهور سياق دستوري وسياسي جديد 2011 , واختيار الجهوية الموسعة كاطار للاشتغال لتدبير الشان المحلي , وتوجهات الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى الستين لثورة الملك و الشعب و الذي أكد على أهمية المقاربة التشاركية في إنجاز الإصلاحات الأساسية؛ و دسترة اداور المجتمع المدني و حركية الحركات النسائية في اتجاه المناصفة ,و إهتمام متزايد بموضوع الأراضي الجماعية , و تعدد وتضخم الصراعات والنزاعات بخصوص ملكية واستغلال الأراضي الجماعية , وتدبير النزاعات المرتبطة بها .
في هذا الاطار اصبح من المفروض التحلي بالجراة السياسية والعمل على تغيير منظومة القوانيين المنظمة للوعاء العقاري لاراضي الجموع في اتجاه تبني رؤية جديدة لتثمين الأراضي الجماعية ليس عبر حوارات وطنية نظمت موخرا للواجهة وليس لمواجهة مشكل عويض مازال يشكل مجالا للتوثر الاجتماعي .

من مفارقات تفويت عقار البوكرينية , ان الرجال فشلوا في الحفاظ على ما استطاعت ان تحافظ عليه امراة .

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here